عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
138
اللباب في علوم الكتاب
أسباب الدنيا ، أو في أمور الآخرة ، فكأنه - سبحانه - وعدهم في الآخرة بالأجر ، ثم بين صفة ذلك الأجر أن يكون خاليا من الخوف والحزن ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائما ؛ لأنهم لو جوّزوا كونه منقطعا لاعتراهم الخوف العظيم . فإن قيل : فما الحكمة في قوله تعالى هاهنا : « الصَّابِئِينَ ، » منصوبة ، وفي « المائدة » : وَالصَّابِئُونَ [ المائدة : 69 ] مرفوعة . وقال في الحج : وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [ الحج : 17 ] فقدم « الصّابئين » على « النصارى » في آية ، وأخّر « الصّائبين » في الأخرى ، فهل في ذلك حكمة ظاهرة . قال ابن الخطيب « 1 » : إن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال ، وإن عجزنا أحلنا القصور على أفهامنا لا على كلام الحكيم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 63 إلى 64 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) هذا هو الإنعام العاشر . والميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة . واختلفوا في ذلك الميثاق . قال الأصمّ : [ ما وعده اللّه القوم ] « 2 » من الدّلائل الدّالة على صدق أنبيائه ورسله ، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود ؛ لأنها لا تحتمل الخلف والكذب والتبدل بوجه البتة . وقال أبو مسلم : هو ما روى عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم أن موسى - عليه الصّلاة والسّلام - لما رجع إلى قومه بالألواح ، قال لهم : « إن فيها كتاب اللّه تعالى » فقالوا : لن نأخذ بقولك حتى نرى اللّه جهرة فيقول : هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصّاعقة ، فماتوا ثمّ أحياهم ، ثم قال لهم بعد ذلك : خذوا كتاب اللّه ، فأبوا فرفع الطور وقيل لهم : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم ، [ فأخذوه ] « 3 » فرفع الطور هو الميثاق « 4 » ؛ لأنه آية [ باهرة ] عجيبة تبهر العقول ، وتردّ المكذب إلى التصديق ، والشّاكّ إلى اليقين ، وأكدوا ذلك ، وعرفوا أنه من قبله - تعالى - وأظهروا التوبة ، وأعطوا العهد والميثاق ألّا يعودوا إلى ما كان منهم ، وأن يقوموا بالتوراة ، فكان هذا عهدا موثقا . وروي عن عبد اللّه بن عباس : أن للّه ميثاقين .
--> ( 1 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 98 . ( 2 ) في أ : هو ما وعد اللّه العقول . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 156 - 157 ) عن ابن زيد .